د. ياسر الياسري باحث وصحفي اكاديمي حين يصبح الصراع عقيدة تحت شعارات التحرر والاستقلال والمساواة، تمددت النسوية لتصبح أيديولوجيا تتدخل في تعريف المرأة لذاتها، ونظرتها إلى الرجل، وموقفها من الزواج والأمومة والأسرة. ولم يعد تأثيرها محصورًا في الكتب والجامعات، بل امتد إلى البيوت والعلاقات الاجتماعية، وأسهم خطابها المتشدد في تأجيج الخصومة بين الجنسين، وتحويل الشراكة الزوجية إلى ساحة صراع على الحقوق والسلطة. إن أخطر ما تطرحه هذه الأيديولوجيا هو تحويل الاختلاف بين الرجل والمرأة إلى صراع دائم، وتصوير الالتزامات الأسرية باعتبارها قيودًا، والتضحية المتبادلة باعتبارها انتقاصًا من الحرية، وكأن الإنسان لا يستطيع تحقيق ذاته إلا بالتخلص من مسؤولياته تجاه الآخرين. أولًا: الرجل.. متهم دائم في محكمة النسوية من أبرز مظاهر الخطاب النسوي المتشدد تعميم الاتهامات على الرجال، وتصويرهم بوصفهم خصومًا يسعون إلى السيطرة على المرأة. وبدلًا من محاسبة السلوك السيئ وتحديد المسؤول عنه، تتحول التجارب الفردية إلى أحكام عامة، ويصبح الشك في الرجل موقفًا فكريًا يُقدَّم أحيانًا بوصفه وعيًا وتحررًا. إن تحويل العلاقة بين الجنسين إلى معركة مفتوحة لا يصنع مجتمعًا أكثر عدلًا، بل يزرع الريبة ويهدم الثقة ويحوّل الخلافات الطبيعية إلى صراعات أيديولوجية. فكيف يمكن بناء زواج مستقر إذا دخل الطرفان العلاقة بعقلية الخصومة، وأصبح كل اختلاف اتهامًا، وكل تنازل هزيمة؟ ثانيًا: الأسرة في مرمى التفكيك الفكري تتعرض الأسرة لضغوط متزايدة عندما يُقدَّم الزواج بوصفه قيدًا على الحرية، والأمومة باعتبارها عائقًا أمام الطموح، والعمل المنزلي وكأنه نشاط بلا قيمة. وهنا تكمن خطورة الخطاب الذي يربط التحرر بالتخلص من الالتزامات، بدلًا من بناء حياة تقوم على التفاهم والمسؤولية المتبادلة. فالأسرة ليست سجنًا، والزواج ليس معركة لإثبات من الأقوى، والأمومة ليست هزيمة للمرأة. إن اختزال قيمة الإنسان في استقلاله الفردي، وإهمال الروابط والواجبات التي تمنح الحياة معناها، يفتح الباب أمام علاقات هشة تحكمها المصالح المتغيرة بدلًا من الالتزام والاستقرار. ثالثًا: الحرية بلا مسؤولية.. وصفة للصراع تتمثل إحدى أبرز الإشكاليات في الخطاب النسوي المتشدد في تغليب المطالب الفردية على الواجبات الأسرية والاجتماعية. فالزواج يحتاج إلى الصبر والتفاهم والتنازل المتبادل، وتربية الأبناء تحتاج إلى التزام طويل الأمد؛ لكن هذه المسؤوليات تصبح موضع اعتراض عندما تُفسَّر كل تضحية باعتبارها استغلالًا، وكل واجب باعتباره انتقاصًا من الاستقلال. وهكذا تتحول الحرية من قيمة إنسانية إلى شعار يُستخدم لتبرير الانسحاب من الالتزامات، ويصبح السؤال عن الحقوق أعلى صوتًا من السؤال عن الواجبات. ولا يمكن لأي مجتمع أن يحافظ على تماسكه إذا تحولت العلاقات فيه إلى مطالب متبادلة بلا مسؤولية مشتركة. رابعًا: مواقع التواصل.. مصانع للعداء بين الجنسين أسهمت منصات التواصل في نشر خطابات متشددة تختزل الرجال والنساء في صور نمطية، وتقدم العلاقات العاطفية باعتبارها صراعًا على السيطرة. وتنتشر نصائح تدعو إلى إثارة الغيرة، والتجاهل المتعمد، والتلاعب بالمشاعر، والانتقام من الطرف الآخر، وكأن نجاح العلاقة يُقاس بقدرة أحد الطرفين على إخضاع الآخر. وتكمن خطورة هذا المحتوى في أنه يروّج للعداء بدل الحوار، ويحوّل العلاقات الإنسانية إلى مباريات نفسية، ويغذي جيلًا من الشبان والشابات بأفكار تجعل الثقة ضعفًا، والتفاهم تنازلًا، والارتباط عبئًا ينبغي التخلص منه عند أول خلاف. خامسًا: العراق أمام الغزو الفكري في العراق، لا يمكن فصل النقاش حول النسوية عن الدين والعادات والتقاليد والتحديات الاقتصادية التي تواجه الشباب والأسر. إن استيراد الشعارات الفكرية دون فحص آثارها أو مراعاة خصوصية المجتمع قد يؤدي إلى تعميق الانقسام بدل معالجة المشكلات الحقيقية. وتحتاج الأسرة العراقية إلى مواجهة تحديات البطالة وغلاء المعيشة وتكاليف الزواج وضعف التواصل الأسري، لا إلى تحويل العلاقة بين الرجل والمرأة إلى حرب أيديولوجية. كما أن حماية المجتمع لا تتحقق بالشعارات، بل بترسيخ المسؤولية والاحترام والتعاون وصيانة كرامة الإنسان. الخاتمة: عندما يصبح التحرر معولًا لهدم الروابط إن أخطر ما في النسوية، كما تتجلى في خطابها المتشدد، هو تحويل الاختلاف إلى خصومة، والاستقلال إلى قطيعة، والحقوق إلى مطالب منفصلة عن المسؤولية. وحين يُصوَّر الرجل باعتباره عدوًا، والأسرة باعتبارها قيدًا، والأمومة باعتبارها عائقًا، فإن النتيجة تكون مجتمعًا تتراجع فيه الثقة وتتسع فيه الهوة بين الجنسين. إن الأفكار التي تتدخل في تشكيل الأسرة وتحديد مستقبل الأجيال يجب ألا تُمنح حصانة من النقد. ومن حق المجتمع أن يرفض كل خطاب يؤجج العداء، ويحتقر المسؤوليات الأسرية، ويجعل من الصراع بين الرجل والمرأة مشروعًا دائمًا. *فحين تتحول العلاقة بين الرجل والمرأة إلى معركة أيديولوجية، لا ينتصر أحد؛ بل تخسر الأسرة استقرارها، ويخسر المجتمع تماسكه، وتصبح الأجيال القادمة رهينة صراع لم تختره.